أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

184

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ . « ما » بمعنى « الّذي » ، وليست الكافة ، و « تُوعَدُونَ » صلتها ، والعائد محذوف ، أي : إنّ ما توعدونه . و « لَآتٍ » الخبر مؤكد باللام ، وقرأ الأخوان هنا « من يكون له عاقبة الدّار » . وفي القصص بالياء ، والباقون بالتاء من فوق . وهما واضحتان ، فإنّ تأنيثها غير حقيقي ، وقد تقدم ذلك في قوله : وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ « 1 » . وقرأ العامة « عَلى مَكانَتِكُمْ » هنا ، وفي جميع القرآن بالإفراد ، وأبو بكر عن عاصم : « مكاناتكم » بالجمع في الجميع . فمن أفرد فلإرادة الجنس ، ومن جمع فلتطابق ما بعدها فإنّ المخاطبين جماعة ، وقد أضيفت إليهم ، وقد علم أنّ لكل واحد مكانة . واختلف في ميم « مكان ومكانة » ، فقيل : هي أصلية ، وهما من مكن يمكن ، وقيل : هما من الكون ، فالميم زائدة ، فيكون المعنى على الأول : اعملوا على تمكنكم من أمركم ، وأقصى استطاعتكم وإمكانكم . قال معناه أبو إسحاق . وعلى الثاني : اعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها » . وقوله : « مَنْ تَكُونُ لَهُ » يجوز في « مَنْ » هذه وجهان : أحدهما : أن تكون موصولة ، وهو الظاهر ، فهي في محل نصب مفعولا به ، و « علم » هنا متعدية لواحد ، لأنها بمعنى : العرفان . الثاني : أن تكون استفهامية ، فتكون في محل رفع بالابتداء ، و « تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ » : تكون واسمها وخبرها في محل رفع خبرا لها ، وهي وخبرها في محل نصب ، إمّا لسدّها مسدّ مفعول واحد ، إن كانت « علم » عرفانية ، وإمّا لسدّها مسدّ اثنين إن كانت يقينية . قوله : وَجَعَلُوا لِلَّهِ . « جعل » هنا بمعنى « صيّر » ، فتتعدى لاثنين ، أولهما : قوله : « نَصِيباً » ، والثاني : قوله : « لِلَّهِ » ، و « مِمَّا ذَرَأَ » يجوز أن يتعلق بالجعل ، وأن يتعلق بمحذوف ، لأنه كان في الأصل صفة ل « نَصِيباً » ، فلما قدم عليه انتصب حالا ، والتقدير : وجعلوا نصيبا ممّا ذرأ اللّه . و « مِنَ الْحَرْثِ » يجوز أن يكون بدلا من « مِمَّا ذَرَأَ » بإعادة العامل ، كأنه قيل : وجعلوا للّه من الحرث والأنعام نصيبا ، ويجوز أن يتعلق ب « ذَرَأَ » ، وأن يتعلق بمحذوف ، على أنه حال ، إمّا من « ما » الموصولة ، أو من عائدها المحذوف . وفي الكلام حذف مفعول اقتضاه التقسيم ، والتقدير : وجعلوا للّه نصيبا من كذا ، ولشركائهم نصيبا منه ، يدل عليه ما بعده من قوله : « فَقالُوا : هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ ، وَهذا لِشُرَكائِنا : « هذا لِلَّهِ » جملة منصوبة المحل بالقول ، وكذلك قوله : « وَهذا لِشُرَكائِنا » . وقوله : بِزَعْمِهِمْ فيه وجهان : أحدهما : أن يتعلق ب « قالوا » ، أي : فقالوا ذلك القول بزعم ، لا ببقين واستبصار . وقيل : هو متعلّق بما تعلق به الاستقرار من قوله : « لِلَّهِ » . وقرأ العامة بفتح الزاي من « زعمهم » في الموضعين ، وهذه لغة الحجاز ، وهي

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 123 ) .